في أحد مخابز محافظة سوهاج، يقف سعد، البالغ من العمر 27 عامًا، يلتقط أنفاسه بعد ساعات من العمل، وقد غطّى الدقيق ملابسه. لم يكن هذا ما أعدّ نفسه له طوال سنوات الدراسة؛ فبعد حصوله على ليسانس الآداب، قسم الجغرافيا، ودبلوم تربوي، كان يأمل في العمل بالتدريس أو حتى الحصول على وظيفة أكثر استقرارًا.

لكن فقدانه البصر في عينه اليمنى، بحسب روايته، حال دون حصوله على بعض فرص العمل، في الوقت الذي رُفض فيه طلبه لاستخراج بطاقة إثبات الإعاقة والخدمات المتكاملة، التي تتيح للمستحقين الحصول على عدد من الخدمات والمزايا، من بينها مزايا مرتبطة بالتوظيف. ويلخّص سعد ما يراه تناقضًا بقوله لـ«أثر»: «أنا فاقد للعين اليمنى، وبالنسبة لجهات العمل أنا معاق وغير لائق.. لكن بالنسبة لوزارة التضامن صاحب إعاقة ولا أستحق كارنيه الخدمات».

تكشف تجربة سعد عن إشكالية تواجه بعض فاقدي البصر بإحدى العينين، ممن يجدون أنفسهم أمام قيود على فرص العمل، دون أن يستوفوا في الوقت نفسه معايير الحصول على بطاقة إثبات الإعاقة والخدمات المتكاملة. فوفقًا للمعيار المعلن من وزارة التضامن الاجتماعي، لا يكفي فقدان البصر في إحدى العينين لاستحقاق البطاقة إذا كانت حدة الإبصار في العين الأخرى 6/18 أو أفضل. غير أن عدم استيفاء هذا المعيار لا يعني بالضرورة انتفاء الصعوبات التي قد يواجهها الشخص في سوق العمل، ولا يحسم مدى ملاءمته لجميع الوظائف.

فكيف يتعامل القانون مع من يفقدون البصر بإحدى العينين؟ وما الحماية المتاحة لهم إذا واجهوا قيودًا مهنية بسبب حالتهم البصرية، رغم عدم استحقاقهم بطاقة الخدمات المتكاملة؟

من خلال تجربتي سعد وإبراهيم، يتتبع هذا التقرير أثر فقدان البصر في إحدى العينين على فرص العمل، ويفحص معايير استحقاق بطاقة الخدمات المتكاملة، ومدى مراعاتها للصعوبات الوظيفية التي قد تواجه هذه الفئة، إلى جانب الحماية القانونية المتاحة، ومصير المطالبات البرلمانية بإدراجها ضمن المستحقين.

عين واحدة تراها الوظائف ولا تراها التضامن.. كيف تُعقّد مسار العمل؟

حين كان سعد في الثالثة من عمره، فقد البصر في عينه اليمنى بعد إصابتها بإبرة كان يحملها أحد أقاربه أثناء اللعب. مضت السنوات، واستكمل الشاب تعليمه الجامعي، لكن أثر الإصابة ظل حاضرًا في محاولاته اللاحقة لبناء مستقبل مهني مستقر.

يوضح سعد المسار الذي مرّ به، من الدراسة وصولًا إلى العمل في المخبز، ويقول: «بعد تخرجي حصلت على إعفاء من أداء الخدمة العسكرية بسبب حالتي البصرية، مما يثبت وجود مشكلة حقيقية لدي. ثم حان وقت بدء المسار المهني فحاولت الحصول على عمل في مجال المساحة، لكن المهندس الذي كنت سألتحق بالعمل معه أخبرني بأن ذلك لن يكون ممكنًا، لأن الأجهزة المستخدمة في هذا المجال تعتمد على قوة الإبصار في كلتا العينين»، على حد قوله.

بعد تعذّر العمل في مجال المساحة، اتجه سعد إلى التدريس، وعمل مدرسًا للدراسات الاجتماعية بنظام الحصة، مقابل أجر لم يتجاوز ثلاثة آلاف جنيه شهريًا عن 20 حصة أسبوعيًا. وكان يأمل أن تكون هذه الخطوة بداية لتعيينه في وظيفة أكثر استقرارًا، لكنه ظل قلقًا من اجتياز الكشف الطبي في مسابقات التعيين.

فمنذ عام 2022، أطلق الرئيس عبد الفتاح السيسي خطة لتعيين 150 ألف معلم على مدار خمس سنوات، لكن إجراءات الاختيار، التي شملت في مراحل منها اختبارات للياقة البدنية وكشف الهيئة تحت إشراف الأكاديمية العسكرية، أثارت انتقادات بشأن مدى ملاءمتها لطبيعة التدريس. وقد استُبعد آلاف المتقدمين خلال مراحل الاختيار.

وفي المقابل، أعلنت وزارة التربية والتعليم عدم إخضاع المتقدمين ضمن نسبة الـ5% المخصصة للأشخاص ذوي الإعاقة لهذه الاختبارات، ما يثير تساؤلًا بشأن وضع من لا يستطيعون الحصول على بطاقة الخدمات المتكاملة اللازمة لإثبات انتمائهم إلى هذه الفئة.

وبسبب فزاعة الكشف الطبي التي ظلت تلاحق سعد في كل وظيفة يفكر فيها، قرر السعي لإثبات إعاقته باستخراج بطاقة الخدمات، أملًا في تسهيل تعيينه مدرسًا. يقول: «الشروط الجديدة لتعيين المدرسين فيها كشف طبي في الكلية الحربية، وحالتي غالبًا سوف يتم رفضها، لكن إذا حصلت على كارت الخدمات وأصبحت إعاقتي مثبتة فربما يتم توظيفي، لذا تقدمت لاستخراج الكارت. لكن المفاجأة أنني قد تم رفضي بسبب معيار حدة الإبصار».

وفي ظل راتب بالكاد يكفي نفقات المواصلات، وفرص تعيين تبيّن تعقيدها، ترك سعد العمل في المدرسة، وسعى للحصول على فرصة عمل في أحد الفنادق، لكنه حين أفصح عن فقدانه البصر في إحدى عينيه قيل له: «ما تتعبش نفسك هتترفض بسبب الكشف الطبي».

مع تضاؤل خياراته، اتجه سعد إلى العمل في المخبز، حيث يحصل على أجر أعلى مما كان يتقاضاه في التدريس، لكنه يرى أن المقابل المادي لا يعوّض افتقاده الاستقرار المهني أو العمل في مجال يتناسب مع مؤهلاته.

يتحدث عن عمله الحالي، ويقول: «في المخبز راتبي يتخطى الـ8000 جنيه، لكن الشغل 12 ساعة ومفيش فيه استقرار ولا أمان وظيفي ولا له علاقة بدراستي. الشغل في المدرسة كان أفضل وأنسب لمؤهلاتي وحالتي بس مش هقدر أكمل فيه براتب بصرفه مواصلات».

بالنسبة إلى سعد، لا تمثل بطاقة الخدمات المتكاملة مجرد إثبات رسمي لحالته، وإنما يراها وسيلة محتملة لتجاوز العقبات التي يواجهها في البحث عن عمل. ويقول: «مش عايز أي حاجة من الكارت غير إنه يسهل حصولي على وظيفة ويعديني من الكشف الطبي، مستقبلي كله متوقف عليه وعلى قرار يعتبر فاقدي العين الواحدة من ذوي الإعاقة حتى لو إعاقة بسيطة، لأننا فعلًا الوظائف بتعتبرنا معاقين، ومش عايز أفضل طول عمري في عمل غير مستقر بلا مستقبل».

قتل مفاجئ للطموح في ظل غياب البدائل

على خلاف سعد، الذي واجه عقبات التوظيف منذ بداية مساره المهني، كان إبراهيم، البالغ من العمر 32 عامًا، قد استقر في وظيفة بإحدى شركات التمويل. لكن فقدانه البصر في عينه اليسرى بعد نحو عام من التحاقه بالشركة غيّر خططه، وجعله يتمسك بعمل يقول إنه لا يناسب حالته أو طموحه، خشية ألا يجد بديلًا أكثر استقرارًا.

يوضح إبراهيم ظروف إصابته لـ«أثر»، قائلًا: «في فبراير 2024، بدأت عملي كمراجع مالي وإداري وعضو رقابة في إحدى شركات التمويل، كنت سليم وعمري ما اشتكيت من عيني، فجأة في أحد أيام العمل في فبراير 2025، فقدت البصر في عيني اليسرى، أرجع الأطباء السبب إلى مرض مناعي أدى إلى موت العصب البصري، أجريت عدة عمليات لكن دون نتيجة».

بعد الإصابة، تقدم إبراهيم لاستخراج بطاقة الخدمات المتكاملة، لكن طلبه رُفض، بحسب ما أُبلغ، لأن عينه اليسرى لا ترى الضوء، بينما تبلغ حدة الإبصار في اليمنى 6/6.

لم يترك إبراهيم عمله؛ فما زال يتولى مهام الرقابة الداخلية، إلى جانب فحص الأرقام والتقارير والملفات، وهي مسؤوليات تتطلب تركيزًا مستمرًا، وفقًا لوصفه، وقد تترتب على الأخطاء فيها خسائر مالية.

ويصف إبراهيم نفسه بأنه عالق في وظيفة لم يكن ينوي الاستمرار فيها طويلًا، لكن ظروفه بعد الإصابة جعلت تركها مخاطرة لا يملك القدرة على تحملها. يقول: «مهام وظيفتي كثيرة وأقوم بها بمفردي لأن كل موظف يأتي يترك العمل سريعًا بسبب طبيعة العمل الذي يستمر أكثر من 10 ساعات أحيانًا. بالإضافة إلى ضعف الراتب الذي لا يتخطى 5500 جنيه، وأعول به زوجتي وطفلين».

صمت إبراهيم قليلًا، مستعيدًا حياته قبل الإصابة، ثم قال بأسى: «كان لديّ طموح، ولم أكن أنوي الاستمرار طويلًا في هذه الوظيفة، لكن فقدان عيني غيّر كل خططي».

ولا يزال إبراهيم يتلقى علاجًا مناعيًا، ويقول إن الأطباء نصحوه بالحفاظ على عينه اليمنى وعدم إجهادها. لذلك، كان يأمل في الحصول على وظيفة تلائم حالته، لكن رفض طلبه للحصول على البطاقة زاد مخاوفه من فقدان عمله الحالي وصعوبة العثور على بديل. يقول: «بقيت مُجبر على الوظيفة دي وماعنديش خيارات تانية، يعني أحسن من مفيش. وعمري ما كنت أفكر في كارت الخدمات بس كان عندي أمل إنه يساعدني في تغيير عملي لوظيفة أفضل وأنسب».

بطاقة الخدمات ومعيار حدة الإبصار

يسعى فاقدو العين الواحدة للحصول على بطاقة الخدمات المتكاملة لأن وزارة التضامن الاجتماعي تعتبرها الوسيلة الوحيدة المعتمدة لإثبات الإعاقة ونوعها ودرجتها، وتُعدّ ملزمة لدى الجهات الحكومية وغير الحكومية.

وبالتالي، فإن من لا يحصل على هذه البطاقة لا يُعامل رسميًا كشخص ذي إعاقة، ولا يستطيع الاستفادة من المزايا المرتبطة بها، ومنها التعيين ضمن نسبة الـ5% من عدد العاملين سواء بالقطاع العام أو الخاص أو الحكومي، والكشف المجاني في المستشفيات، والإعفاءات الجمركية والضريبية، والجمع بين معاشين مستحقين أو الراتب والمعاش المستحق، وغيرها من المزايا التي تسهّل حياة ذوي الإعاقة وتساعد على دمجهم في المجتمع.

كما أن شهادة التأهيل، التي تُستخدم لدعم التدريب والتشغيل ضمن نسبة الـ5% للأشخاص ذوي الإعاقة غير الحاصلين على مؤهلات عليا، تشترط تقديم بطاقة إثبات الإعاقة والخدمات المتكاملة ضمن مستنداتها؛ ما يجعل فاقد العين الواحدة الذي لا يحصل عليها بعيدًا عمليًا عن مسار التأهيل والتشغيل الذي توفره الوزارة لذوي الإعاقة.

وبينما يُعرِّف القانون رقم 10 لسنة 2018 الخاص بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة الشخصَ ذا الإعاقة بأنه «كل شخص لديه قصور أو خلل كلي أو جزئي، سواء كان بدنيًا، أو ذهنيًا أو عقليًا، أو حسيًا، إذا كان هذا الخلل أو القصور مستقرًا، مما يمنعه لدى التعامل مع مختلف العوائق من المشاركة بصورة كاملة وفعالة مع المجتمع وعلى قدم المساواة مع الآخرين»، فإن وزارة التضامن تربط الاستحقاق، في حالة فقدان العين الواحدة، بحدة إبصار العين الأخرى؛ فإذا كانت أقل من 6/18 عُدّ الشخص من ذوي الإعاقة، أما إذا كانت 6/18 أو أفضل فلا ينطبق عليه وصف الشخص ذي الإعاقة. ويعود ذلك إلى اللائحة التنفيذية للقانون رقم 10 لسنة 2018، التي صدرت في ديسمبر 2018.

ويُقصد بمعيار 6/18 أن يرى الشخص من ستة أمتار ما يستطيع صاحب الإبصار الطبيعي رؤيته من ثمانية عشر مترًا. فهل معيار حدة الإبصار 6/18 في العين السليمة كافٍ؟ وهل ينفي وجود أثر طبي يحول دون ممارسة فاقدي العين الواحدة جميع الأعمال؟

إلى أي مدى قد يحد فقدان إحدى العينين من القدرة على العمل؟

لا يمر فقدان إحدى العينين دون إحداث أثر في أنشطة الحياة اليومية والعمل. ففي دراسة نُشرت عام 2002 في مجلة «Ophthalmic Plastic & Reconstructive Surgery» المعنية بجراحات تجميل وترميم محيط العين، سعى الباحثون إلى فهم الآثار الوظيفية لفقدان الإبصار في إحدى العينين من منظور المرضى أنفسهم، وشملت الدراسة 65 شخصًا مروا بهذه التجربة خلال حياتهم.

رصدت الدراسة صعوبات شائعة في إدراك العمق وتقدير المسافات، إلى جانب آثار أبلغ عنها المشاركون، منها إجهاد العين أثناء القراءة، وآلام الرقبة الناتجة عن كثرة تحريك الرأس، والاكتئاب، وحوادث السيارات، وتغيير الوظيفة. كما أظهرت أن هناك تكيفًا مع فقدان البصر يستغرق وقتًا يختلف باختلاف كيفية حدوثه؛ إذ احتاج من فقدوه بصورة مفاجئة إلى نحو تسعة أشهر، مقابل نحو أربعة أشهر لمن فقدوه تدريجيًا.

ولتفسير تأثر إدراك العمق، أوضح مقال بعنوان «التكيف مع فقدان الإبصار في إحدى العينين»، نُشر عام 2011 في «المجلة الطبية لكولومبيا البريطانية» (British Columbia Medical Journal)، أن فقدان البصر في إحدى العينين يؤدي إلى فقدان ما يُعرف بـ«الرؤية المجسّمة»، وهي قدرة الدماغ على دمج الصورتين اللتين تلتقطهما العينان من زاويتين مختلفتين قليلًا لتكوين صورة ثلاثية الأبعاد، ما قد يزيد صعوبة تقدير العمق والمسافات.

لكن فقدان الرؤية المجسّمة لا يعني فقدان القدرة على إدراك العمق تمامًا؛ إذ يمكن للشخص الاستعانة بمؤشرات بصرية أخرى تعتمد على عين واحدة، وإن كانت لا توفر الدقة نفسها التي تتيحها الرؤية بكلتا العينين.

ولا يعني فقدان البصر في إحدى العينين العجز عن العمل، إذ يختلف تأثيره بحسب طبيعة الوظيفة ومتطلباتها البصرية. ويوضح الدكتور محمد بلطية، استشاري طب وجراحة العيون، لـ«أثر» أن بعض الأعمال، مثل المهام الكتابية، يمكن أداؤها بالرؤية الأحادية، بينما تتطلب أعمال أخرى قدرات بصرية قد تتأثر بفقدان البصر في إحدى العينين، ومنها القيادة.

لكن اختلاف تأثير فقدان إحدى العينين باختلاف طبيعة العمل لا يمنع أن يصبح هذا الفقد سببًا لاستبعاد صاحبه من بعض الوظائف، رغم قدرته على أداء مهامها. وهذا ما حدث مع سعد في أحد الفنادق، إذ قيل له إنه سيُرفض بسبب الكشف الطبي قبل إجراء أي مقابلة عمل أو كشف طبي، وهو الهاجس نفسه الذي يجعل إبراهيم عالقًا في وظيفته ذات الدخل المنخفض. وهذا يبرز سؤالًا بشأن مدى عدالة معيار حدة الإبصار شرطًا لاستخراج بطاقة إثبات الإعاقة والخدمات المتكاملة.

هل معيار حدة الإبصار كشرط لاستخراج بطاقة الخدمات عادل؟

يرى إسماعيل رزق، المحامي المختص بشؤون ذوي الإعاقة، أن معيار حدة الإبصار المستخدم في تحديد استحقاق بطاقة الخدمات المتكاملة لا يتسق مع تعريف الإعاقة الوارد في القانون. يوضح لـ«أثر»: «التشريع الرئيسي وهو القانون رقم 10 لسنة 2018، ذكر إن الإعاقة يصلح أن تكون جزئية، وفقد العين الواحدة ما لا يقبل الاجتهاد فيه أنها إعاقة جزئية، لكن اللائحة التنفيذية حددت معيار حدة الإبصار لاعتبار فقدان العين الواحدة إعاقة، وهذا يعد عوار في اللائحة التنفيذية ولا يجوز أن تخالف اللائحة مقصد القانون».

ويستطرد: «لو تم حسابها كنسب عجز، فهناك مشكلات عضوية تؤثر سلبًا على صاحبها بنسبة عجز تبلغ 8%، ومع ذلك يُمنح أصحابها صفة ذوي الإعاقة، بينما يمثل فقدان العين الواحدة، وفقًا لقانون التأمينات الاجتماعية، نسبة عجز تبلغ 35%، ولا يُمنح أصحابها هذه الصفة».

ومن جانبه، يرى وليد الفولي، المحامي بالنقض، أن الاعتماد على حدة الإبصار وحدها يتجاهل أثر العوائق المحيطة بالشخص في قدرته على المشاركة في المجتمع. فيقول لـ«أثر»: «إن حدة الإبصار معيار طبي ضيق يتعارض جوهريًا مع النموذج الاجتماعي للإعاقة الذي تبنته الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة المصدق عليها من مصر ونص المادة 2 من القانون 10 لسنة 2018 ذاته».

ويتابع: «فالإعاقة قانونًا ليست مجرد رقم طبي لقياس البصر، بل هي أي قصور بدني مستقر يحول بين الشخص والمشاركة الكاملة في المجتمع على قدم المساواة مع الآخرين نتيجة وجود حواجز وسلوكيات تعيقه في البيئة المحيطة وهو ما يتحقق بالفعل بمجرد رفض تشغيل فاقد العين الواحدة».

فاقدو العين الواحدة وقيود العمل.. تمييز يرفضه القانون

وفيما يتعلق برفض أصحاب العمل توظيف شخص بسبب فقدانه إحدى عينيه، رغم عدم حصوله على البطاقة، يوضح الفولي لـ«أثر»: «إن ذلك يُعد تمييزًا محظورًا دستوريًا، وفقًا للمادتين 14 و53 من الدستور المصري، اللتين تجرمان التمييز على أي أساس، بما في ذلك الحالة البدنية أو الصحية، طالما كان الشخص قادرًا على أداء جوهر مهام العمل. فعدم حمل بطاقة الإعاقة لا يسلب المواطن حقه الدستوري في تكافؤ الفرص وعدم التعسف».

لكن الفولي يفرّق بين اشتراطات ترتبط بطبيعة الوظيفة ومتطلبات السلامة، وأخرى قد تؤدي إلى استبعاد غير مبرر، موضحًا: «يكون الرفض مبررًا إذا كانت الوظيفة تتطلب بطبيعتها رؤية مجسمة كاملة وتقدير أبعاد ثلاثي دقيق وترتبط مباشرة بسلامة العامل والآخرين. مثل: قيادة الطائرات، وتشغيل الرافعات الثقيلة، والعمليات الجراحية الدقيقة، أو المهام العسكرية الميدانية».

ويستطرد: «لكنه يتحول لاستبعاد غير مبرر إذا كان العمل ذهنيًا، إداريًا، مكتبيًا، تدريسيًا، أو تكنولوجيًا يمكن إنجازه بكفاءة تامة بالعين السليمة. والاستبعاد هنا استنادًا إلى المظهر أو العاهة المستقرة فقط هو تعسف وتمييز غير مشروع».

وعن الحماية القانونية المتاحة لشخص لا يندرج تحت تعريف «ذي الإعاقة» لكنه يواجه قيدًا وظيفيًا، يقول الفولي: «في القطاع الحكومي والوظائف العامة تكفل المادة 14 من الدستور التعيين وفقًا للكفاءة ومبدأ تكافؤ الفرص، وتخضع قرارات الاستبعاد لرقابة القضاء الإداري».

ويتابع: «أما في القطاع الخاص، فقد عزز قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025 الحماية القانونية من التمييز بسبب الإعاقة، سواء عند التقدم للوظائف أو خلال العمل. كما لا يجوز إنهاء علاقة العمل لمجرد إصابة العامل بعجز جزئي، ما دام هناك عمل آخر داخل المنشأة يستطيع أداءه».

وتنص المادة الخامسة من القانون على حظر التمييز بسبب الإعاقة في التدريب والإعلان عن الوظائف وشغلها وشروط العمل، بينما تقضي المادة 170 بعدم انتهاء علاقة العمل بسبب العجز الجزئي إلا إذا ثبت عدم وجود عمل آخر لدى صاحب العمل يستطيع العامل أداءه. وفي حال وجود عمل مناسب، يلتزم صاحب العمل بنقل العامل إليه بناءً على طلبه كتابةً.

ورغم هذه الحماية، يظل إثبات التمييز في حالات رفض التوظيف تحديًا عمليًا، خصوصًا عندما يُبرَّر الاستبعاد بعدم اجتياز الكشف الطبي أو بعدم الملاءمة لطبيعة الوظيفة. كما تتطلب المطالبة بالحقوق سلوك مسارات قانونية قد يصعب على بعض المتضررين تحمّل أعبائها. وفي هذا السياق، تتواصل المطالبات البرلمانية بإدراج فاقدي البصر بإحدى العينين ضمن مستحقي بطاقة الخدمات المتكاملة، بما يتيح لهم الاستفادة من المزايا المرتبطة بالتوظيف.

مطالبات من 2022 إلى 2026.. لماذا لم يُحسم الملف؟

بدأت المطالبات البرلمانية بإدراج فاقدي العين الواحدة ضمن مستحقي بطاقة الخدمات المتكاملة منذ عام 2022 على الأقل، حين تقدم النائب محسن أبوسمنة بطلب إحاطة إلى وزيرة التضامن الاجتماعي بشأن استبعادهم من المرحلة الثانية لإصدار البطاقات. وتكررت المطالبات في السنوات التالية، من بينها تحرك للنائبة منى عمر في عام 2024، ثم مناقشة لجنة التضامن الاجتماعي طلبات إحاطة بشأن القضية في أبريل من العام نفسه.

وخلال اجتماع أبريل 2024، أفاد ممثلو وزارتي التضامن الاجتماعي والصحة بالموافقة على مطلب إدراج الفئة، مع الإشارة إلى إرسال مشروع إلى مجلس الوزراء يسمح بضم فاقدي العين الواحدة إلى مستحقي البطاقة. كما طُرحت الحاجة إلى تعديل اللائحة التنفيذية للقانون رقم 10 لسنة 2018.

وفي 20 يونيو 2026، تقدم النائب ياسر الهضيبي باقتراح برغبة لتعديل اللائحة التنفيذية بما يسمح بإدراج فاقدي العين الواحدة ضمن مستحقي البطاقة. واستندت المطالبة إلى أن التطبيق العملي للقانون واللائحة أدى إلى استبعاد هذه الفئة، رغم الآثار الطبية والوظيفية التي قد تترتب على فقدان إحدى العينين، ومنها صعوبة بعض الأعمال وفرص التوظيف.

وعن نتائج هذه التحركات، يقول المهندس إيهاب منصور، وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، إن وضع فاقدي العين الواحدة لم يتغير منذ صدور القانون، موضحًا لـ«أثر»: «منذ صدور القانون رقم 10 لسنة 2018 ولائحته التنفيذية لم يتم أي تغيير بشأن فاقدي العين الواحدة، هؤلاء لم يحصلوا على كارنيه ليعتبرهم ذوي إعاقة فيعطيهم امتيازات ولا هم مقبولين في بعض الأعمال لأن عندهم إشكالية، لذلك مازلنا نطالب بضم هذه الفئة».

ويرى منصور أن حسم الأمر يعود إلى مجلس الوزراء والوزارات المختصة، منتقدًا بطء إصدار بطاقات الخدمات المتكاملة بشكل عام. ويقول إن عدد البطاقات التي صدرت لم يتجاوز مليونًا ونصف المليون من بين نحو 12 مليون شخص من ذوي الإعاقة، وذلك على مدار ثماني سنوات تقريبًا.

من جانبه، يحمّل إسماعيل رزق، المحامي المختص بشؤون ذوي الإعاقة، مجلس الوزراء مسؤولية تعديل اللائحة التنفيذية، قائلًا: «من أصدر التشريع هو المسؤول عن تعديله، ومن قام بإصدار اللائحة هو مجلس الوزراء، لذلك مجلس الوزراء هو الجهة التي يمكنها تعديل اللائحة وإدراج فاقدي العين الواحدة بكل سهولة لكن الأمر ليس إلا تعسفًا».

في السياق، تواصلت معدة التقرير مع مجلس الوزراء للاستفسار عن مصير المشروع المرسل إليه عام 2024 بشأن إدراج فاقدي العين الواحدة ضمن مستحقي بطاقة الخدمات المتكاملة، ومع وزارة التضامن الاجتماعي لمعرفة أساس تحديد معيار حدة الإبصار، وعدد الطلبات المرفوضة، وموقفها من المطالبات الحالية. لم نتلقَّ إجابة من أي من الجهتين حتى إعداد ونشر التقرير، رغم وعود وزارة التضامن بالرد.

وبين معيار يحدد استحقاق بطاقة الخدمات المتكاملة، واشتراطات طبية قد تؤثر في القبول ببعض الوظائف، وتمييز يسبق مقابلات العمل أحيانًا، تتعدد العوائق التي تحد من الفرص المهنية المنصفة لفاقدي العين الواحدة. ويبقى السؤال: كيف يمكن ضمان تقييمهم وفق قدراتهم الفعلية ومتطلبات كل وظيفة، بدلًا من أن يتحول فقدان إحدى العينين إلى سبب لاستبعادهم؟ وإذا كانت البطاقة قد تتيح لهم فرصًا أفضل في العمل، فما الذي يحول دون إدراجهم ضمن مستحقيها؟