أعادت إحالة الصحفية لينا عطا الله، رئيسة تحرير موقع «مدى مصر»، إلى المحاكمة بتهمة تأسيس وإدارة وتشغيل موقع إلكتروني دون ترخيص، وقبلها القبض على عدد من أعضاء فريق تحرير منصة «متصدقش»، الحديث بشأن المخاطر القانونية والقضائية التي تواجه المؤسسات الصحفية المستقلة في مصر، ومدى اتساق تطبيق قانون تنظيم الصحافة والإعلام على المؤسسات المختلفة.

وكانت نيابة أمن الدولة العليا قد أحالت لينا عطا الله، الخميس 22 أكتوبر، إلى المحاكمة أمام محكمة جنح القاهرة الجديدة بالتجمع الخامس، في القضية رقم 11743 لسنة 2026 جنح التجمع الخامس، والمقيدة برقم 9072 لسنة 2026 حصر أمن دولة عليا، وحددت الثلاثاء 27 أكتوبر موعدًا لأولى جلسات محاكمتها، بحسب ما أعلنته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية.

وجاء قرار الإحالة بعد أقل من 24 ساعة من التحقيق مع عطا الله لأكثر من ست ساعات أمام نيابة أمن الدولة العليا، وإخلاء سبيلها بكفالة قدرها 100 ألف جنيه. وواجهت خلال التحقيق اتهامين؛ أولهما تأسيس وإدارة وتشغيل موقع إلكتروني دون ترخيص، بالمخالفة لقانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018، والثاني نشر أخبار كاذبة في الداخل والخارج من شأنها تكدير السلم العام. غير أن قرار الإحالة إلى المحاكمة اقتصر على الاتهام الأول، وفقًا لما نشره موقع «مدى مصر».

وسبق استدعاء عطا الله للتحقيق إعلان «مدى مصر»، بالتعاون مع ثماني مؤسسات صحفية مستقلة، إطلاق مجموعة بعنوان «لحد ما يرجعوا متصدقش»، لتدقيق ما ورد في «مؤتمر الإنجازات».

ولا تنفصل قضية «مدى مصر» عن أزمة أوسع تواجهها مؤسسات صحفية مستقلة في مصر؛ إذ تقدمت مؤسسات عدة، على مدار السنوات الماضية، بطلبات للحصول على التراخيص اللازمة لمزاولة نشاطها، لكن بعضها ظل معلقًا دون رد، فيما واجهت مؤسسات أخرى قرارات بالرفض أو مطالبات باستكمال مستندات، دون أن تُحسم إجراءات الترخيص. وفي ظل هذا الوضع القانوني غير المستقر، تواجه المواقع التي تواصل العمل دون ترخيص خطر الملاحقة القضائية، بعقوبات قد تصل إلى غرامة قدرها ثلاثة ملايين جنيه، فضلًا عن الغلق ومصادرة المعدات.

تقرير عن احتجاجات السجون وإحالة إلى المحاكمة

في تحقيق استمر أكثر من ست ساعات أمام نيابة أمن الدولة العليا، واجهت النيابة الصحفية لينا عطا الله بأسئلة تتعلق بتقرير نشره موقع «مدى مصر» عن موجة احتجاجات داخل السجون أعقبت تأجيل العمل بقانون الإجراءات الجنائية الجديد، إلى جانب أسئلة بشأن طبيعة عمل المؤسسة وإجراءات ترخيص الموقع. وشمل التحقيق أيضًا فحص تحريات الأمن الوطني ومرفقاتها، التي تضمنت خطابًا صادرًا عن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بشأن الموقف القانوني لترخيص «مدى مصر»، وفقًا لما نشره الموقع.

من جهتها، أوضحت المحامية الحقوقية هدى نصر الله، المحامية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية وعضو هيئة الدفاع عن لينا عطا الله، أن العقوبة المقررة للاتهام المتعلق بتأسيس موقع إلكتروني دون ترخيص تتضمن غرامة لا تقل عن مليون جنيه ولا تزيد على ثلاثة ملايين جنيه، فضلًا عن غلق الموقع ومصادرة المعدات والأجهزة ومكوناتها المستخدمة.

واعتبرت نصر الله، في حديثها لـ«أثر»، أن سرعة إحالة عطا الله إلى المحاكمة، بعد ساعات من التحقيق معها، ليست إجراءً معتادًا في القضايا المماثلة.

وكان موقع «مدى مصر» قد نشر، في 13 أكتوبر، تقريرًا بعنوان «موجة احتجاجات في السجون و«تغريب» بعد تأجيل «الإجراءات الجنائية»، وثّق فيه، استنادًا إلى شهادات محامين ومصادر حقوقية وأسر محتجزين، احتجاجات داخل عدد من السجون، بينها العاشر من رمضان والمنيا وبدر، على خلفية تأجيل تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد واستمرار الحبس الاحتياطي المطوّل. وتناول التقرير إجراءات أمنية بحق المحتجزين، شملت، بحسب مصادره، نقل بعضهم إلى سجون بعيدة والتعامل بالقوة مع احتجاجاتهم، فيما نفت وزارة الداخلية وقوع احتجاجات أو انتهاكات داخل مراكز الإصلاح والتأهيل.

من زاوية أخرى، يرى المحامي الحقوقي حليم حنيش أن تعامل النيابة العامة مع ما يُنشر عن الانتهاكات داخل السجون يثير تساؤلات بشأن دورها في التحقيق في تلك الوقائع، ومدى تعاملها مع المعلومات المنشورة باعتبارها بلاغات عن انتهاكات محتملة تستوجب الفحص والتحقيق.

ويقول حنيش، في حديثه لـ«أثر»: «عندما يصدر تقرير صحفي أو بيان حقوقي يتحدث عن احتجاجات داخل السجون، فمن المفترض أن تتعامل النيابة مع ما ورد فيه باعتباره بلاغًا عن انتهاكات محتملة تستوجب التحقيق. لكن ما يحدث هو استدعاء الصحفيين أو الحقوقيين لسؤالهم عن مصادر معلوماتهم وكيفية حصولهم عليها، بدلًا من التحقيق في الوقائع نفسها».

ويعتبر حنيش أن هذا التعامل لا يقتصر على واقعة بعينها، وإنما يمثل نمطًا متكررًا، مستشهدًا بما جرى في قضية أعضاء فريق «متصدقش»، الذين تحدثوا أمام النيابة عن تعرضهم للتعذيب، قبل أن تصدر بيانًا بشأن عرضهم على الطب الشرعي وعدم ثبوت تعرضهم للتعذيب.

ويوضح أنه عندما يبلغ متهم عن تعرضه للتعذيب، ينبغي للنيابة أن تتعامل معه بوصفه مجنيًا عليه في واقعة مستقلة، وأن تفتح تحقيقًا في ادعاءاته، وتستمع إلى أقواله بشأن ظروف التعذيب ووسائله والمسؤولين عنه، بدلًا من الاكتفاء بنتائج الكشف الطبي.

يربط حنيش بين ما يعتبره نمطًا في تعامل النيابة مع البلاغات المتعلقة بالانتهاكات، وبين تصاعد الضغوط على المؤسسات الصحفية المستقلة، مشيرًا إلى سرعة إحالة لينا عطا الله إلى المحاكمة عقب التحقيق معها وإخلاء سبيلها بكفالة مالية. ويقول إن سرعة الإجراءات في القضية تثير مخاوفه من استخدام الملاحقات القضائية وسيلةً لترهيب الصحفيين والمؤسسات الإعلامية المستقلة، معتبرًا أن ذلك يأتي في سياق أوسع يشمل القبض على أعضاء فريق «متصدقش»، واستدعاء الصحفية رشا عزب عقب إعلان الاعتصام الرمزي بنقابة الصحفيين.

ويشير حنيش إلى أن هذه التطورات تتزامن مع تصريحات رسمية بشأن تداول المعلومات، ونقاشات سياسية حول مستقبل السلطة والتعديلات الدستورية والانتخابات الرئاسية، إلى جانب دعوات من شخصيات محسوبة على النظام، من بينها مصطفى الفقي ومرتضى منصور، لترجمة الحديث عن الانفتاح السياسي إلى خطوات ملموسة، في وقت تتواصل فيه الإجراءات القضائية والأمنية بحق صحفيين ومؤسسات إعلامية مستقلة.

ويختتم حنيش حديثه قائلًا: «نحن أمام تناقض واضح بين الحديث عن الانفتاح السياسي وما يحدث فعليًا على الأرض. ففي الوقت الذي يجري فيه الحديث عن ضرورة الانفتاح، نشهد القبض على صحفيين وحبسهم، ثم استدعاء لينا عطا الله وإخلاء سبيلها بكفالة، وإحالة قضيتها إلى المحاكمة بهذه السرعة. وأرى أن ذلك يشير إلى نمط متصاعد من استهداف الصحفيين، وخصوصًا العاملين في المؤسسات الصحفية المستقلة».

انتقائية تطبيق القانون.. تراخيص تُمنح وأخرى تظل معلقة

بينما تواجه رئيسة تحرير «مدى مصر» المحاكمة بتهمة تأسيس وإدارة وتشغيل موقع إلكتروني دون ترخيص، أعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة خالد عبد العزيز، الموافقة على منح تراخيص لمنصة «ديزني بلس» العالمية وعدد من المواقع والتطبيقات الإلكترونية، من بينها «يوليو» و«خلف الحدث» و«العاصمة» و«زائد» و«مصر مباشر»، إلى جانب توفيق أوضاع ثلاث صحف، هي «المصري اليوم» و«العروبة» و«اليوم».

وأوضح المجلس أن الموافقات جاءت بعد مراجعة الملفات والتأكد من استيفاء المعايير والشروط القانونية والمهنية، وفقًا لقانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 ولائحته التنفيذية. غير أن استمرار النزاعات المتعلقة بترخيص بعض المؤسسات الصحفية المستقلة، بالتزامن مع إصدار تراخيص لمؤسسات أخرى، يطرح تساؤلات بشأن المعايير التي تحكم البت في الطلبات، ومدى اتساق تطبيقها، والضمانات القانونية المتاحة للمؤسسات التي تتأخر قرارات الترخيص الخاصة بها أو تُرفض طلباتها.

وفي هذا السياق، تبرز تجربة «مدى مصر»، الذي تقدم بأكثر من طلب للحصول على الترخيص منذ صدور قانون تنظيم الصحافة والإعلام عام 2018، دون أن تنجح محاولاته المتكررة في الحصول عليه، رغم لجوئه إلى القضاء الإداري للطعن على امتناع المجلس عن إصدار الترخيص.

ويرى المحامي مختار منير، مدير وحدة المساعدة القانونية بمؤسسة حرية الفكر والتعبير، أن أزمة تراخيص المواقع الصحفية المستقلة تكشف عن انتقائية في تطبيق قانون تنظيم الصحافة والإعلام، وغياب الشفافية في القرارات الصادرة عن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، معتبرًا أن عدم إخطار المؤسسات بقرارات البت في طلباتها يحرمها من معرفة أسباب الرفض ومعالجة أوجه القصور في مستنداتها أو الطعن على القرارات أمام القضاء.

ويوضح منير، في حديثه لـ«أثر»، أن الاتهام الذي أُحيلت به لينا عطا الله إلى المحاكمة يتعلق، وفق المعلومات التي أُبلغ بها فريق الدفاع من النيابة العامة، بإدارة موقع إلكتروني دون ترخيص، مشيرًا إلى أن الدفاع لم يكن قد اطّلع، وقت حديثه، على القيد والوصف القانوني للاتهامات المحالة إلى المحكمة.

ويشير إلى أن المادة 59 من قانون تنظيم الصحافة والإعلام تنظم الحصول على ترخيص لإنشاء المواقع الإلكترونية أو مزاولة نشاطها، فيما تنص المادة 105، بحسب شرحه، على معاقبة من يخالف أحكام المادة 59 بغرامة لا تقل عن مليون جنيه ولا تزيد على ثلاثة ملايين جنيه، فضلًا عن غلق الموقع ومصادرة المعدات والأجهزة ومكوناتها المستخدمة في ارتكاب المخالفة.

وتكتسب هذه العقوبات، بحسب منير، أهمية خاصة في حالة المؤسسات الصحفية التي تتقدم بطلبات رسمية لتوفيق أوضاعها، لكنها لا تتلقى ردودًا واضحة من الجهة المختصة، بما يترك وضعها القانوني غير محسوم ويعرضها لاحتمالات الملاحقة القضائية.

ويستعرض منير محاولات «مدى مصر» الحصول على الترخيص، موضحًا أن ممثلي المؤسسة القانونيين تقدموا بأكثر من طلب لتوفيق أوضاع الموقع منذ صدور قانون تنظيم الصحافة والإعلام عام 2018، شأنها شأن مواقع إلكترونية أخرى سعت إلى الحصول على التراخيص اللازمة لمزاولة نشاطها.

وبحسب منير، يحدد القانون مدة 90 يومًا للبت في طلبات الترخيص، معتبرًا أن عدم صدور قرار بالقبول أو الرفض خلال المدة المحددة يرتب، وفق تفسيره، أثرًا قانونيًا يتمثل في الموافقة الضمنية على الترخيص. ويضيف أن القانون يلزم المجلس، في حال وجود مستندات ناقصة، بإخطار مقدم الطلب خلال 30 يومًا من استلامه، حتى يتمكن من استيفائها.

ويقول: «المفترض أن المجلس، إذا وجد أوراقًا ناقصة، يخاطب إدارة الموقع ويحدد لها المستندات المطلوب استكمالها، حتى تتمكن من استيفاء الشروط والحصول على الترخيص. لكن، بحسب ما ذكرته لينا عطا الله خلال التحقيق، لم يحدث ذلك».

ويشير إلى أن «مدى مصر» لم تتلقَّ، وفق رواية لينا عطا الله، قرارًا صريحًا برفض الترخيص طوال السنوات الممتدة من عام 2018 وحتى تاريخ التحقيق، بما كان يمكنها من معرفة أسباب الرفض والطعن عليه أمام القضاء.

ويضيف أن المؤسسة تقدمت بطلب جديد عقب صدور اللائحة التنفيذية للقانون، التي نظمت إجراءات الترخيص والمستندات المطلوبة بصورة أكثر تفصيلًا، لكنها لم تتلقَّ ردًا حاسمًا، ما دفعها إلى اللجوء إلى القضاء الإداري للطعن على امتناع الجهة الإدارية عن إصدار الترخيص.

ويوضح منير أن حكم القضاء الإداري أشار إلى عدم استيفاء بعض المستندات اللازمة للحصول على الترخيص، وهو ما استندت إليه الجهة الإدارية في عدم إصداره. لكنه يرى أن وجود أوراق ناقصة لا يعفي المجلس من التزامه القانوني بإخطار المؤسسة بالمستندات المطلوبة ومنحها فرصة لاستكمالها.

ويتابع: «حتى إذا كانت هناك أوراق غير مستوفاة، فالقانون ينظم كيفية التعامل مع هذا الأمر. كان على المجلس إخطار المؤسسة بما ينقصها من مستندات، بدلًا من ترك طلب الترخيص معلقًا لسنوات دون رد واضح».

وبحسب منير، بادرت المؤسسة، عقب صدور الحكم، إلى مراجعة المستندات المطلوبة واستكمالها، ثم أعادت تقديم الأوراق اللازمة للحصول على الترخيص، لكنها لم تتلقَّ ردًا على طلبها. ويشير إلى أن «مدى مصر» خضعت خلال السنوات الماضية لإجراءات أخرى أمام المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، على خلفية شكاوى تتعلق بمحتوى منشور على الموقع، انتهت، وفق روايته، إلى توقيع جزاءات تضمنت حجب الموقع لمدة ستة أشهر وغرامة مالية قدرها 200 ألف جنيه، فضلًا عن إحالة الشكوى إلى النيابة العامة للتحقيق. ويضيف أن المؤسسة علمت، خلال التحقيقات أمام نيابة استئناف القاهرة، بوجود قرار يتعلق برفض طلب الترخيص، رغم عدم إخطارها به رسميًا خلال السنوات السابقة.

ويرى منير أن هذا التسلسل يثير تساؤلات بشأن كيفية تعامل المجلس مع طلبات الترخيص، خصوصًا أن المؤسسة ظلت، بحسب روايته، نحو أربع أو خمس سنوات دون إخطار واضح بموقف طلبها أو بالمستندات التي يتعين استكمالها.

ويقول: «المشكلة ليست في وجود شروط قانونية للترخيص، وإنما في عدم تطبيق الإجراءات التي ينص عليها القانون. فقرار الرفض يجب أن يكون مسببًا، ويجب إخطار المؤسسة به، حتى تتمكن من استكمال الأوراق أو اللجوء إلى القضاء للطعن عليه».

يؤكد المحامي الحقوقي أن الغرض من تنظيم تراخيص المواقع الإلكترونية ينبغي أن يكون وضع قواعد واضحة لممارسة النشاط الصحفي، وليس استخدام إجراءات الترخيص لمنع المؤسسات من العمل، مشيرًا إلى أن المجلس يملك، بعد إصدار الترخيص، صلاحيات قانونية للتعامل مع المخالفات، بما في ذلك توقيع الجزاءات الإدارية أو إحالة الوقائع التي قد تشكل جرائم حقيقية إلى النيابة العامة.

ويضيف: «القانون ينظم ممارسة النشاط، ولا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لمنعه. فإذا استوفت المؤسسة الشروط المطلوبة، فمن المفترض تسهيل حصولها على الترخيص، ثم مساءلتها عن أي مخالفات تقع بعد ذلك وفق الإجراءات والضمانات القانونية».

وفي المقابل، يلفت منير إلى صدور تراخيص لمواقع إلكترونية أخرى، من بينها مواقع ذات طبيعة إعلانية، فضلًا عن حصول مواقع حديثة الإنشاء على تراخيص خلال فترات وجيزة، بحسب ما علم به خلال وجوده مع عدد من الصحفيين وأعضاء مجلس نقابة الصحفيين يوم التحقيق مع عطا الله. ويعتبر أن هذه التفاوتات تستدعي تفسيرًا من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بشأن أسباب تأخر البت في طلبات المؤسسات الصحفية المستقلة، والمعايير المستخدمة في منح التراخيص أو رفضها.

ويقول: «لا يمكن النظر إلى ما يحدث بمعزل عن وجود انتقائية في تطبيق القانون. فهناك مواقع تحصل على تراخيص خلال مدد قصيرة، بينما تظل طلبات مواقع أخرى معلقة لسنوات، دون أن تعرف المؤسسات أسباب عدم حصولها على الترخيص».

ويضيف أن الأزمة تتجاوز تأخر الإجراءات الإدارية إلى عدم إتاحة المعلومات والقرارات للمؤسسات المخاطبة بالقانون، بما يحد من قدرتها على معالجة أوجه القصور في طلباتها أو استخدام حقها في التقاضي.

ويختتم منير حديثه قائلًا: «نحن أمام انتقائية في تطبيق القانون، إلى جانب غياب الشفافية في إصدار القرارات. فقرار رفض الترخيص يجب أن يكون مسببًا، وأن يُخطر به صاحب الشأن حتى يتمكن من الطعن عليه أمام القضاء. لكن ما حدث، وفق الوقائع التي نتحدث عنها، أن المؤسسة لم تتلقَّ هذه القرارات بصورة تتيح لها ممارسة حقوقها القانونية».

عقب إحالة لينا عطا الله إلى المحاكمة، أطلقت أكثر من 118 مؤسسة صحفية ومنظمة حقوقية من مختلف أنحاء العالم نداءً عاجلًا، انضمت إليه منصة «أثر»، للمطالبة بوقف ملاحقتها وإنهاء القيود المفروضة على الصحافة المستقلة في مصر. ومن بين الموقعين منظمة العفو الدولية، ولجنة حماية الصحفيين، وهيومن رايتس ووتش، ومؤسسة حرية الفكر والتعبير. وأشار النداء إلى محاولات «مدى مصر» المتكررة للحصول على الترخيص منذ عام 2018، واستمرار تعليق طلب قدمه الموقع عام 2023، محذرًا من أن المحاكمة قد تنتهي بفرض غرامة مالية تصل إلى ثلاثة ملايين جنيه وإغلاق الموقع، ومطالبًا بالإفراج عن الصحفيين المحتجزين بسبب عملهم الصحفي.

أزمة تتجاوز «مدى مصر».. طلبات ترخيص معلّقة ورفض دون أسباب واضحة

لا تقتصر أزمة التراخيص على موقع «مدى مصر»، إذ واجهت مؤسسات صحفية مستقلة أخرى، خلال السنوات الماضية، صعوبات في الحصول على التراخيص اللازمة لمزاولة نشاطها، رغم تقدمها بطلبات رسمية إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام. 

ومن بين هذه المؤسسات منصة «فكر تاني»، التي تقدمت الشركة المالكة لها بطلب للحصول على الترخيص عام 2023، بعد استيفاء الإجراءات وسداد الرسوم المقررة، لكنها تلقت في سبتمبر 2024 قرارًا بالرفض، استند إلى ثلاثة أسباب، هي «عدم وضوح السياسة الإعلامية»، و«عدم وضوح مصادر التمويل»، و«عدم كفاية خطة تأمين الأجهزة».

وكانت أزمة ترخيص «فكر تاني» قد طُرحت، إلى جانب أزمات مواقع صحفية مستقلة أخرى، خلال جلسة عقدتها نقابة الصحفيين على هامش مؤتمرها العام السادس، ناقش المشاركون فيها العقبات القانونية والإدارية التي تواجه الصحافة الرقمية، ومعايير منح التراخيص ورفضها، وتأخر إخطار المؤسسات بالقرارات الصادرة بشأن طلباتها.

وتناولت المناقشات أوضاع عدد من المواقع، بينها «ذات مصر»، الذي واجه بدوره صعوبات في الحصول على الترخيص رغم محاولاته الممتدة لسنوات، وموقع «درب»، التابع لحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، الذي تعرض للحجب بعد إطلاقه، فضلًا عن أزمة «مدى مصر» المتعلقة بطلبات الترخيص وعدم إخطار المؤسسة رسميًا ببعض القرارات الخاصة بها.

وفي حالة «فكر تاني»، يرى محمد صلاح، المدير العام والممثل القانوني للمنصة، أن تأخر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في البت في طلبات المواقع الصحفية المستقلة يحوّل الترخيص إلى أداة ضغط على المؤسسات، ويجعلها عرضة للملاحقة القانونية بتهمة العمل دون ترخيص، رغم تقدمها بطلبات رسمية لاستيفاء الإجراءات المطلوبة.

ويوضح صلاح، في حديثه لـ«أثر»، أن شركة «فري ثنك ميديا»، المالكة للمنصة، تأسست عام 2023، وتقدمت بعد أشهر من تأسيسها بطلب للحصول على الترخيص، عقب سداد الرسوم وتقديم المستندات المطلوبة، لكنها تلقت قرارًا بالرفض بعد انقضاء المدة القانونية المحددة للبت في الطلب، بحسب روايته.

ويضيف أن ممثلي الشركة توجهوا إلى المجلس للاستفسار عن أسباب الرفض، وطُلب منهم استكمال المستندات والسياسات التي اعتبرها المجلس غير مستوفاة، والتقدم بطلب لإعادة النظر في القرار.

ويقول: «استوفينا جميع الأوراق والسياسات المطلوبة، وتقدمنا بتظلم في ديسمبر 2024، لكننا لم نتلقَّ أي رد من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام حتى أكتوبر 2026، رغم مرور نحو 22 شهرًا على تقديمه».

وبذلك، لم تنتهِ أزمةفكر تاني عند قرار رفض الترخيص، إذ استمرت، وفق رواية ممثلها القانوني، حتى بعد استكمال المستندات المطلوبة والتقدم بتظلم، دون صدور رد يحسم موقفها القانوني.

ويعتقد صلاح أن عدم إخطار المؤسسات بقرارات رفض الترخيص، أو إبقاء طلباتها معلقة، قد يكون وسيلة لتركها في وضع قانوني غير مستقر، بما يحد من قدرتها على الطعن أمام القضاء أو اتخاذ الإجراءات اللازمة لتصحيح أوضاعها.

ويقول: «نحن نعتقد أن قرار رفض الترخيص موجود بالفعل، لكنه لا يُعلن للمؤسسة، حتى لا تتمكن من الطعن عليه قضائيًا. ويظل القرار حبيس الأدراج إلى أن تحدث مشكلة، فيُستخدم أمام النيابة لاتهام المؤسسة بالعمل دون ترخيص. وبهذه الطريقة يصبح الترخيص سيفًا مسلطًا على رقبة الصحافة المستقلة في مصر».

ويربط صلاح بين أزمة التراخيص والإجراءات التي تواجهها مؤسسات صحفية مستقلة أخرى، معتبرًا أن الملاحقات لا ترتبط، في تقديره، بمخالفات إدارية فحسب، وإنما بطبيعة المحتوى الصحفي الذي تقدمه هذه المؤسسات، خصوصًا عندما يتضمن انتقادات للسياسات الحكومية أو مساءلة للمسؤولين.

ويضيف: «مدى مصر لا تُحاسب، في تقديري، بسبب عدم استيفاء إجراءات الترخيص، وإنما بسبب المحتوى الصحفي الذي تقدمه، وكذلك الزملاء في متصدقش. نحن، كصحافة مستقلة، نُحاسب على عدم رضا السلطة عن بعض ما ننشره، خصوصًا عندما يكشف هذا المحتوى تقصير المسؤولين أو ينتقد السياسات الحكومية».

ويرى صلاح أن الضغوط على الصحافة المستقلة لا تقتصر على المؤسسات، بل تمتد إلى الصحفيين العاملين فيها، في ظل القيود المرتبطة بالقيد في نقابة الصحفيين، معتبرًا أن الإطار القانوني الحالي يضع المؤسسات والعاملين بها أمام مخاطر متزامنة.

ويوضح: «نحن بين المطرقة والسندان؛ قانون تنظيم الصحافة والإعلام يجعل المؤسسات عرضة للاتهام بالعمل دون ترخيص، وقانون نقابة الصحفيين يجعل الصحفيين غير المقيدين بالنقابة عرضة للاتهام بانتحال صفة صحفي. وفي الحالتين لا نجد الحماية التي يفترض أن تكفل لنا ممارسة عملنا».

ويطالب بإنهاء حالة التعليق المستمر لطلبات الترخيص، وتوسيع مظلة الحماية النقابية لتشمل الصحفيين العاملين في المؤسسات الرقمية المستقلة، محذرًا من أن استخدام تهمة العمل دون ترخيص في ملاحقة المؤسسات قد يفتح الباب أمام إجراءات مماثلة بحق مواقع أخرى لم تُحسم طلباتها.

ويعتبر صلاح أن طبيعة الملاحقات التي تواجهها الصحافة المستقلة تغيرت، إذ لم تعد، وفق تقديره، تقتصر على مساءلة الصحفيين عن مواد منشورة بعينها، وإنما باتت تطال المؤسسات بسبب مجمل نشاطها الصحفي.

ويقول: «في السابق، كان الحديث يدور عن محاسبة الصحفي على ما ينشره، فتُتخذ الإجراءات ضده بسبب موضوع بعينه. أما الآن، فنحن أمام منصات تُحاسب على مجمل أعمالها. متصدقش تُحاسب على مجمل عملها، ومدى مصر كذلك، وليس على موضوع واحد فقط».

ويؤكد صلاح أن هذه الضغوط لن تدفع «فكر تاني» إلى التراجع عن عملها الصحفي، مختتمًا حديثه بالقول: «لن نستجيب لهذه الضغوط، وسنواصل عملنا وتقديم المحتوى الذي يرضينا ويرضي جمهورنا، وكشف الحقائق، بغض النظر عما إذا كانت تزعج بعض المسؤولين. لن يرهبنا التلويح باستخدام المحاكم والنيابات في مواجهة عملنا الصحفي. ونتضامن مع زملائنا في متصدقش ومدى مصر، ونتمنى أن تتوقف هذه الحملة التي نراها استهدافًا للصحافة المستقلة عمومًا، وليس لموضوع صحفي بعينه».

تراخيص المواقع الإلكترونية.. غموض تشريعي وشبهات عدم دستورية العقوبات

وفي سياق متصل، حذّرت ورقة قانونية صادرة عن مؤسسة «مسار» من إشكاليات تشريعية ودستورية تتعلق بتجريم إنشاء وإدارة المواقع الإلكترونية دون ترخيص، معتبرةً أن قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 وسّع نطاق سلطة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ليشمل مواقع لا تمارس نشاطًا صحفيًا أو إعلاميًا. وأوضحت الورقة، المعنونة «جريمة إدارة موقع إلكتروني دون ترخيص»، أن الصياغات العامة لبعض مواد القانون، إلى جانب غياب تعريفات دقيقة للفئات الخاضعة للترخيص، تفتح المجال أمام تفسيرات موسعة قد تؤدي إلى إخضاع مواقع تابعة لشركات ونقابات وجمعيات وأندية لسلطة المجلس، رغم أن اختصاصه، وفق التحليل القانوني للورقة، ينبغي أن يقتصر على المواقع ذات النشاط الصحفي أو الإعلامي أو الإعلاني.

وتوقفت الورقة عند غموض الأركان القانونية لجريمة إدارة موقع دون ترخيص، خصوصًا ما يتعلق بتحديد المسؤول عن الإدارة الفعلية للموقع، وما إذا كانت المسؤولية تقع على الكيان القانوني أم الشخص الذي يتولى تشغيله وإدارته. واستشهدت بحكم صادر عن المحكمة الاقتصادية بالقاهرة في القضية رقم 819 لسنة 2022، قضى ببراءة متهمة من اتهام يتعلق بإدارة موقع إلكتروني دون ترخيص، بعدما لم يثبت للمحكمة أنها تتولى إدارته فعليًا. واعتبرت الورقة أن مجرد إفادة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بعدم حصول موقع على ترخيص لا تكفي وحدها لإثبات الجريمة، ما لم تتحقق جهات التحقيق من طبيعة نشاط الموقع وتوافر أركان المسؤولية الجنائية.

وانتقدت الورقة العقوبات المنصوص عليها في المادة 105 من القانون، والتي تتراوح بين مليون وثلاثة ملايين جنيه، فضلًا عن الغلق ومصادرة المعدات والأجهزة المستخدمة في ارتكاب الجريمة، معتبرةً أنها لا تتناسب مع طبيعة المخالفة المتعلقة بالترخيص. وأثارت شبهة عدم دستورية هذه العقوبات، استنادًا إلى المادة 71 من الدستور التي تحظر، كأصل عام، مصادرة الصحف ووسائل الإعلام أو وقفها أو إغلاقها، فضلًا عن مبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة. وخلصت إلى أن غموض النصوص واتساع نطاق تطبيقها، مقترنين بالعقوبات المالية المغلظة والغلق والمصادرة، قد يحوّلان نظام التراخيص من وسيلة لتنظيم العمل الإعلامي إلى أداة لتقييد حرية الصحافة والتعبير الرقمي.