رغم خطط تطهير الترع، وتطبيق نظام المناوبات، ومشروعات تطوير شبكة الري، لا تزال شكاوى المزارعين من تأخر وصول المياه وضعفها تتجدد، خصوصًا في الأراضي الواقعة عند نهايات الترع. وخلال صيف 2026، برزت الأزمة مجددًا في عدد من المناطق، مهددة انتظام الري وقدرة المزارعين على الحفاظ على محاصيلهم.

في قرية الحجر التابعة لمركز إطسا بمحافظة الفيوم، امتدت آثار نقص مياه الري إلى التقاوي المدفونة في التربة. وأظهر مقطع فيديو حمل عنوان "بلاغ إلى وزير الري وإلى كل جهة مسؤولة" نشره محمد صالح، أحد مزارعي القرية، عبر حسابه على "فيسبوك" في يونيو 2026، تقاوي قال إن النمل بدأ يلتهمها بعدما ظلت الأرض من دون ري لأسابيع.

يقول محمد لـ"أثر" إن الأزمة قديمة، وأثرت على نحو ثلاثة آلاف فدان، من بينها عشرة أفدنة يزرعها بنفسه، وتقع هذه الأراضي جميعها تقريبًا في نهاية بحر الجرجبة. ويوضح أن المياه التي يُفترض أن تصل لنحو 12 ساعة يوميًا حسب نظام المناوبات، لا تصل إلى الأرض سوى لساعتين أو ثلاث فقط، مضيفا أن التعديات باستخدام الخراطيم وماكينات سحب المياه تؤثر أيضا على وصول المياه إلى نهايات البحر.

ويستطرد موضحًا الخسائر التي لحقت بالمزارعين: "فيه جزء من أرضي مرّ عليه ما يقارب شهرين منذ يوليو الماضي، من غير ما توصله المايه. ومع استمرار الجفاف، المحاصيل بتبوظ، وفيه ناس اضطرت تبيع محصول الذرة وهو لسه صغير علشان المواشي تاكله، قبل ما ينشف ويخسروا أكتر".

وبحسب محمد، تقدم المزارعون بشكاوى عدة في محاولة لحل الأزمة، ووصلت لجنة من المحافظة لمعاينة الوضع، لكن المشكلة استمرت رغم الوعود بحلها.

ولا تعد أزمة بحر الجرجبة جديدة؛ إذ تعود الشكاوى من نقص مياه الري في المنطقة لنحو 15 عاما على الأقل. ففي أغسطس 2012، نظم مزارعون من مركز إطسا وقفة احتجاجية، اعتراضًا على عدم وصول المياه إلى أراضيهم.

من إحدى ترع بحر الجرجبة
من إحدى ترع بحر الجرجبة

ومع استمرار المشكلة، اجتمع أهالي قرية الحجر في أكتوبر 2016، لمناقشة أزمة نقص مياه الري، وقرروا إطلاق حملة شكاوى للمطالبة بإزالة التعديات وإعادة المقررات المائية. وأنشأ مصطفى محمد، أحد أبناء القرية، صفحة على "فيسبوك" لتوثيق الشكاوى ومتابعة تطورات أزمة بحر الجرجبة. ويقول لـ"أثر" إن المشكلة معروفة لدى مسؤولي الري منذ سنوات، لكن المزارعين ما زالوا ينتظرون "حلًا جذريًا".

وفي أبريل 2026، وصلت الشكاوى إلى البرلمان، بعدما تقدم النائب مصطفى البنا بطلب إحاطة بشأن تضرر مزارعي إطسا من جفاف بحر الجرجبة، مطالبًا ببحث أسباب الأزمة واتخاذ الإجراءات اللازمة.

من الفيوم إلى البحيرة.. استجابة بعد الخسارة

وفي قرية الـ21 التابعة لقرية العشرة آلاف بمركز أبو المطامير في محافظة البحيرة، واجه أحمد إسماعيل، 48 عامًا، أزمة مشابهة مع تأخر وصول مياه الري إلى خمسة أفدنة يزرعها بالإيجار عند نهاية الترعة. ويقول إن المياه انقطعت عن أرضه لنحو 16 يومًا خلال شهر أغسطس الماضي، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة، فبدأ محصول الذرة، الذي لم يكن قد مرّ على زراعته سوى نحو 45 يومًا في إظهار علامات التضرر. "الزرع في وقت درجات الحرارة المرتفعة آخره 8 أيام من غير ري غير كده يتلف"، يؤكد أحمد.

وبحسب أحمد، تتبع أرضه فرعًا للري تشرف عليه هندسة ري شمال التحرير، وتقوم المناوبة المقررة على وصول المياه لمدة خمسة أيام يعقبها توقف لمدة 15 يومًا. لكن ما يحدث فعليًا، وفق روايته، يختلف عن ذلك؛ إذ يقول إن المياه تصل لمدة ثلاثة أيام فقط، ثم تنقطع لنحو 25 يومًا، ما يسمح للأراضي الواقعة في بداية الترعة بالري، بينما لا تصل المياه بالقدر الكافي إلى الأراضي الواقعة عند نهايتها. ويشير إلى أن أزمة الانقطاع الأخيرة ليست الأولى، وإنما تتكرر على فترات.

ولا يربط أحمد الأزمة بالمناوبات وحدها؛ إذ يقول إن بعض الأراضي التي لم تُخصص لها حصص رسمية من مياه الري، يسحب أصحابها المياه من الترعة ويخزنونها في خزانات خاصة، وهو ما يرى أنه يقلل من الكميات التي تصل إلى الأراضي الواقعة عند النهايات.

المياه عادت لاحقا إلى أرض أحمد، لكن بعدما كان محصول الذرة قد بدأ بالفعل في إظهار علامات التضرر، من بينها اصفرار الأوراق وتجعدها.

تشير توصيات معهد بحوث المحاصيل الحقلية إلى أهمية انتظام الري لمحصول الذرة، خاصةً خلال مرحلة التزهير؛ إذ يُنصح بري النباتات باعتدال كل 10 إلى 12 يومًا، وفقًا لطبيعة التربة والظروف الجوية، مع تجنب تعطيشها أو تغريقها بالمياه.

ولا تقتصر الشكوى على أحمد وحده؛ إذ يقول إن مزارعين آخرين في القرية يواجهون المشكلة نفسها.

وتكررت خلال الأشهر الماضية شكاوى المزارعين في محافظات عدة من ضعف مياه الري أو تأخر وصولها إلى نهايات الترع والأراضي الزراعية، من بينها حالات رصدتها معدة التقرير في البحيرة والفيوم والجيزة.

في المقابل، أعلنت وزارة الري تنفيذ إجراءات تستهدف تحسين كفاءة توزيع المياه وضمان وصولها إلى الأراضي، من بينها تطهير الترع وإزالة الحشائش والمخلفات والعوائق، وتنظيم توزيع المياه من خلال نظام المناوبات، إلى جانب مواجهة التعديات على المجاري المائية. وفي يونيو 2026، أعلنت الوزارة خطة لتطهير نحو 33 ألف كيلومتر من الترع و22 ألف كيلومتر من المصارف، مع رصد نحو 1.4 مليار جنيه لأعمال تطهير الترع، مؤكدة أن الهدف هو الحفاظ على قدرة شبكة المجاري المائية على تمرير التصرفات المطلوبة ووصول المياه إلى مختلف المنتفعين.

ويُعد نظام المناوبات إحدى الآليات التي تعتمد عليها الوزارة لتنظيم توزيع مياه الري، خاصةً في الترع التي لا تعمل بنظام التدفق المستمر؛ إذ يحدد النظام فترات لتشغيل المياه وأخرى لإيقافها وفق البرامج التي تضعها إدارات الري المختصة.

وينص قانون الموارد المائية والري رقم 147 لسنة 2021 على تولي الوزارة إدارة وتنظيم توزيع المياه، وإعلان الإدارات العامة المختصة مواعيد المناوبات في نطاق عملها.

وإلى جانب تنظيم المناوبات، تتولى "الري" أعمال تطهير الترع إزالة الحشائش والمخلفات والعوائق التي قد تحد من قدرة المجاري المائية على تمرير التصرفات المطلوبة. وخلال عام 2025، أعلنت الوزارة تطهير نحو 33 ألف كيلومتر من الترع، من إجمالي شبكة يبلغ طولها نحو 45 ألف كيلومتر.

لكن استمرار شكاوى مزارعين من ضعف المياه أو تأخر وصولها إلى الأراضي الواقعة عند نهايات الترع، يطرح السؤال حول تعطل رحلة المياه بين إطلاقها وفق برامج التوزيع ووصولها فعليًا إلى الحقول، ولماذا تستمر الشكاوى رغم الإجراءات والمشروعات المعلنة؟

رحلة المياه.. أين تتعطل؟

تنتقل مياه الري من نهر النيل عبر شبكة من الترع الرئيسية والفرعية بدرجاتها المختلفة، وصولًا إلى المساقي ومنها إلى الحقول. ويُنظَّم توزيع المياه في أجزاء من هذه الشبكة من خلال نظام المناوبات. لكن بين التنظيم المفترض ووصول المياه فعليًا إلى الأراضي، تظهر عوامل متعددة قد تعرقل الرحلة.

في قرية الحجر، يعزو المزارعون الذين تحدثوا إلى "أثر" ضعف وصول المياه إلى أسباب عدة، من بينها التعديات على المجاري المائية وسحب المياه باستخدام الخراطيم وماكينات الرفع، وزراعة الأرز خارج المناطق المصرح بها، إلى جانب ارتفاع الطلب على المياه خلال فصل الصيف ووقوع أراضيهم عند نهايات المجاري المائية.

صورة من قرية الحجر
صورة من قرية الحجر

ووفق تصريحات تليفزيونية سابقة للمهندس محمد غانم، المتحدث الرسمي باسم وزارة الموارد المائية والري، ترتفع الاحتياجات المائية مع بداية الموسم الصيفي وارتفاع درجات الحرارة، فيما تُدار عملية توزيع المياه وفق الاحتياجات والمساحات المنزرعة وطبيعة المحاصيل.

ويأتي الأرز ضمن المحاصيل التي تخضع لتنظيم خاص؛ ففي موسم 2026 حددت الدولة مساحة مصرحًا بها تبلغ 724.2 ألف فدان في تسع محافظات هي الإسكندرية والبحيرة وكفر الشيخ والغربية والدقهلية ودمياط والشرقية والإسماعيلية وبورسعيد، مع حظر زراعته خارج المناطق المصرح بها.

ولا تأتي الفيوم ضمن المحافظات التسع؛ ومع ذلك، يؤكد مزارعون بقرية الحجر وجود مساحات مزروعة بالأرز على أراضٍ تقع على بحر الجرجبة، وهو ما يرون أنه يزيد الضغط على كميات المياه المتاحة، إلى جانب عمليات سحب المياه بالمخالفة والتعديات التي تحدثوا عنها.

وفي واقعة أخرى، قدمت وزارة الري، تفسيرا رسميا لانخفاض منسوب المياه في إحدى الترع، حيث أصدرت في يوليو 2026 بيانًا بشأن مقطع مصور لترعة المعصرة في بني سويف، قالت فيه إن الفيديو صُوّر خلال فترة "البطالة" أو الغلق في إطار المناوبة الثلاثية للترعة، وإن المياه أُطلقت لاحقًا خلال فترة التشغيل ووصلت إلى نهايتها. وأكدت الوزارة أن مهندسيها وفنييها يتابعون الزراعات ميدانيًا، وأن الوضع مستقر.

لكن مزارعي قرية الحجر وقرية الـ21 الذين تحدثوا إلى "أثر" يقولون إن مشكلتهم مختلفة؛ إذ يؤكدون أن الأزمة لا تقتصر على فترات الغلق المقررة، وإنما تمتد، بحسب شهاداتهم، إلى تأخر المناوبات أو ضعف المياه وعدم وصولها إلى الأراضي خلال الفترات التي يُفترض أن تكون متاحة فيها.

ولا تعد التعديات على المياه أو اضطراب مواعيد المناوبات، بحسب شهادات المزارعين، النقاط الوحيدة التي قد تتعطل عندها رحلة المياه. وتؤكد ذلك وزارة الري، حيث تقول إنه يمكن أن تؤثر العوائق أو الانسدادات داخل المجاري المائية، وكذلك كفاءة المنشآت والبوابات المنظمة للتصرفات، في قدرة الشبكة على تمرير المياه وتوزيعها بالشكل المطلوب. وتؤكد الوزارة أن أعمال تأهيل الترع والمنشآت المائية تستهدف رفع كفاءة نقل وتوزيع المياه وضمان وصولها إلى مختلف المنتفعين، بما في ذلك الأراضي الواقعة عند نهايات الترع.

بناءً على ذلك، نفذت الدولة خلال السنوات الماضية المشروع القومي لتأهيل الترع، بهدف استعادة القطاعات المائية ورفع كفاءة نقل وتوزيع المياه داخل الشبكة. وكانت الخطة الحكومية المعلنة تستهدف تأهيل نحو 20 ألف كيلومتر من الترع، بتكلفة إجمالية قُدرت بنحو 80 مليار جنيه، بهدف دعم وصول المياه إلى الأراضي الواقعة عند النهايات، وتقليل شكاوى المزارعين، وتحقيق قدر أكبر من العدالة في توزيع المياه بين المنتفعين.

وامتدت أعمال التطوير إلى المنشآت المائية؛ ففي مارس 2024 أنشأت الوزارة وحدة مشروع تأهيل المنشآت المائية بهدف رفع كفاءتها وكفاءة البوابات ومنشآت التحكم في التصرفات. ويستهدف المشروع تدقيق حالة 3283 منشأة سبق حصرها باعتبارها منشآت سيئة الحالة، من أصل نحو 54 ألف منشأة مسجلة. وحتى أحدث موقف منشور، انتهى تقييم 1067 منشأة في المرحلتين الأولى والثانية، وتبين أن نحو 650 منها تحتاج إلى الإحلال والتجديد، بينما استمرت مراجعة باقي المنشآت في المرحلة الثالثة.

لكن حجم المشروعات والإجراءات المعلنة لا يعني بالضرورة أن أثرها يصل بالدرجة نفسها إلى كل قرية. ففي قرية البليدة بمحافظة الجيزة، يشتكي الأهالي من تراكم القمامة والمخلفات في بعض المجاري المائية، ما يقولون إنه يؤثر في وصول مياه الري إلى الأراضي الزراعية.

فيديو: تراكم القمامة في ترعة قرية البليدة

في هذا الإطار، يوضح فؤاد ممدوح، أحد أبناء القرية، لـ"أثر": "القرية تضم ثلاث ترع مسؤولة عن ري حوالي ألف فدان، وتعاني من مشكلات مرتبطة بتراكم المخلفات. الفرع رقم واحد الموجود شرق البليدة، مثلًا، لم تصل المياه له منذ أكثر من عامين، بسبب انسداد المجرى نتيجة تراكم القمامة".

ويضيف أن الأهالي تقدموا بشكاوى إلى جهات محلية ومسؤولي الري، قبل أن تتواصل معهم، بحسب قوله، مديرة ري مزغونة وتجري معاينة على الطبيعة، مع وعد بتطهير الترعة وإنشاء مخرج جديد لها.

أما عن ترعة بهبيت، المارة غرب القرية، فيقول إن عدم رفع القمامة والمخلفات بصورة دورية يعيق حركة المياه ويؤخر وصولها إلى الأراضي. وعندما تتعطل رحلة المياه لفترات طويلة، يبدأ بعض المزارعين في البحث عن مصادر بديلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن تلك البدائل قد تحمل تكاليف ومخاطر أخرى.

عندما تتوقف المياه.. من يدفع الثمن؟

في قرية البليدة بمحافظة الجيزة، يدفع عدم انتظام وصول مياه الترع بعض المزارعين إلى الاعتماد على المياه الجوفية المستخرجة من الآبار، متحملين كُلفة إضافية.

يقول ممدوح، أحد أبناء القرية: "بدل الاعتماد على مياه الترع غير المنتظمة، بيعمل الفلاحون في قريتنا ماسورة للمياه الجوفية، وهي طريقة ري مكلفة وغير مفيدة للأرض الزراعية على المدى البعيد".

فيديو: تراكم القمامة في ترعة قرية البليدة (2)

ويُطلق ممدوح على هذه الطريقة اسم "الري بالآبار الارتوازية"، وهو مصطلح تستخدمه أيضًا بعض الدراسات المحلية عند الحديث عن اعتماد المزارعين على الآبار في الري لتعويض نقص مياه الترع، وإن كان التعريف العلمي للبئر الارتوازي أكثر تحديدًا ولا يشمل جميع الآبار الجوفية.

لكن هذا البديل ليس متاحًا لجميع المزارعين؛ إذ يقول ممدوح إن بعضهم لا يستطيع تحمل كلفة إنشاء بئر أو تجهيز مصدر بديل للري، فيترك أرضه من دون زراعة انتظارًا لعودة المياه.

بحسب مزارعين آخرين تحدثوا إلى "أثر"، أثر الاعتماد على المياه الجوفية سلبًا على بعض الأراضي والمحاصيل، ويقول أحدهم: "الري الجوفي زاد ملوحة الأرض، وما بقاش فيه محصول زي الأول، والخضار مبقاش ينفع".

لكن استخدام المياه الجوفية لا يؤدي في حد ذاته بالضرورة إلى تملح التربة في جميع الحالات؛ فتراكم الأملاح، وفق منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "فاو"، يرتبط بدرجة ملوحة مياه الري وإدارة المياه وكفاءة غسل الأملاح والصرف، وقد تقلل زيادة الملوحة في منطقة الجذور قدرة النبات على الحصول على المياه وتؤثر في إنتاجيته.

وفي مصر، أظهرت دراسة نُشرت في دورية ساينتيفيك ريبورتس "Scientific Reports"، نوفمبر 2024، عن شمال شرق دلتا النيل ارتباطًا قويًا بين المياه الجوفية الضحلة عالية الملوحة وملوحة التربة في منطقة الدراسة، إلى جانب تأثير رداءة جودة مياه الري وانخفاض نفاذية التربة.

وبين ترك الأرض من دون زراعة ومحاولة إنقاذ المحصول، يجد بعض المزارعين أنفسهم أمام خيارات محدودة. ففي قرية الحجر، يقول محمد إنه اضطر في بعض الفترات إلى استخدام مياه الصرف الزراعي: "هنا ما ينفعش أعتمد على الري الجوفي بسبب قرب الحجر، فبضطر أروي بمياه الصرف الزراعي رغم أضرارها بدل ما الزرع يموت". ومياه الصرف الزراعي هي المياه الناتجة عن عمليات ري الأراضي والممارسات الزراعية والتي لم تستهلكها النباتات وتتسرب أو تخرج من الحقول محملة بالملوثات.

وقيّمت دراسة نُشرت عام 2021 ثلاثة مشروعات لإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي في محافظة البحيرة، وأظهرت أن معظم المؤشرات التي قاستها في مياه الصرف والمياه المخلوطة تجاوزت الحدود المسموح بها، وصنفت جودة مياه المصارف بين "ضعيفة" و"هامشية"، بينما صُنفت المياه المخلوطة في الترع التي شملتها الدراسة بأنها "سيئة". وأوصى الباحثون بمعالجة هذه المياه قبل استخدامها في الحالات المدروسة لتجنب أضرار محتملة على التربة والمحاصيل والصحة.

أما أحمد، مزارع قرية الـ21، فيقول إنه لا يملك مصدرًا بديلًا مماثلًا: "المياه الجوفية في منطقتنا مالحة وما تنفعش للري، والمصرف بعيد"، ليصبح خياره، على حد تعبيره، "انتظار الفرج".

من جهته، يوضح الدكتور أحمد جلال، العميد السابق لكلية الزراعة بجامعة عين شمس، أن نقص مياه الري أو عدم انتظامها يؤثران بصورة مباشرة في كمية الإنتاج وجودة المحاصيل، وأن حجم الخسارة يختلف بحسب نوع المحصول ومرحلة نموه وقت تعرضه لنقص المياه، إذ تمر المحاصيل بمراحل حرجة تكون أكثر حساسية خلالها للتعطيش.

ويضيف في حديثه لـ"أثر": "لا تقتصر أضرار الإجهاد المائي على تقزم النبات أو انخفاض إنتاجيته، وإنما تمتد إلى خصائص المنتج النهائي، مثل الحجم والمظهر والطعم والقيمة الغذائية، وهو ما قد يؤثر في قيمته التسويقية والاستهلاكية".

ويرى العميد السابق لكلية الزراعة جامعة عين شمس أن تكرار نقص المياه على نطاق واسع قد يمتد أثره إلى السوق، قائلًا: "المياه عنصر أساسي في العملية الزراعية، وأي خلل متكرر في إمداداتها ينعكس على حجم الإنتاج الزراعي، وقد يمتد تأثيره إلى أسعار المحاصيل، بما يترتب عليه من آثار اقتصادية وغذائية".

وبينما يدفع المزارعون ثمن تعطل المياه من محاصيلهم وأراضيهم، يبقى السؤال: من المسؤول عن إزالة العقبات التي تحول دون وصولها؟

من المسؤول؟

تتوزع مسؤولية ضمان وصول مياه الري إلى الأراضي بين جهات وأطراف عدة، بحسب صبري الجندي، المستشار الأسبق لوزير التنمية المحلية، الذي يقول لـ"أثر" إن "رفع القمامة الموجودة داخل الترع من اختصاص أجهزة الري، بينما تقع مسؤولية رفع المخلفات الموجودة على حواف الترع ونقلها إلى المدافن الصحية على عاتق الإدارة المحلية".

وفي قرية الـ21، يرى أحمد إسماعيل، مزارع، أن التعديات وعدم انتظام المناوبات يمثلان مشكلة إدارية تقع مسؤولية التعامل معها على أجهزة وزارة الموارد المائية والري، بحسب حديثه.

ورغم شكاوى مزارعي قرية الـ21 من عدم انتظام المناوبات وتأخر وصول المياه إلى أراضيهم، ينفي إبراهيم عبد السميع، مفتش ري الناصرية، وجود مشكلة في فرع 21، قائلًا لـ"أثر": "المناوبات منتظمة ولا تتأخر، والإدارة لا تغلق المياه قبل التأكد من وصولها إلى الأراضي الواقعة في نهاية الفرع وقيام المزارعين بالري".

ويرى عبد السميع أن تلف محصول الذرة الظاهر في مقاطع الفيديو التي نشرها أحمد لا يمكن إرجاعه بالضرورة إلى نقص المياه وحده، موضحًا أن الزراعات قد تتأثر بعوامل أخرى، من بينها مستوى العناية بالمحصول، وانتشار الحشائش أو الأمراض، أو مشكلات مرتبطة بالمبيدات.

ويرفض أحمد هذا التفسير، مؤكدًا أنه ليس المتضرر الوحيد، وأن أي جهة يمكنها معاينة الزراعات والتحقق من أسباب تضررها.

ماذا عن الحلول؟

ورغم تجريم إلقاء المخلفات في غير الأماكن المخصصة لها، لا تزال القمامة تتراكم داخل بعض الترع والمجاري المائية. وتنص المادة 71 من قانون تنظيم إدارة المخلفات رقم 202 لسنة 2020، على معاقبة من يلقي أو يتخلص من المخلفات غير الخطرة في غير المواقع المخصصة لذلك بغرامة تتراوح بين 10 آلاف و100 ألف جنيه، فيما تكون العقوبة الحبس والغرامة معًا في حالة تكرار المخالفة.

ومع ذلك، لم تمنع العقوبات وأعمال التطهير عودة المشكلة في بعض المواقع، ولعل أبرز الأمثلة على ذلك ما شهدته ترعة الهجارسة بمحافظة الشرقية. ففي يونيو 2026، انتشر مقطع يرصد تراكم كميات كبيرة من القمامة داخل ترعة الهجارسة بمحافظة الشرقية وتأثر وصول المياه إلى الأراضي. وتحركت أجهزة وزارة الموارد المائية والري لرفع المخلفات وتطهير المجرى، إلا أن الوزارة أعلنت بعد أقل من أسبوع عودة تراكم القمامة مرة أخرى في الموقع ذاته.

ويرى مستشار وزير التنمية المحلية الأسبق أن إزالة المخلفات من الترع وحدها والاكتفاء بتطهيرها أو الاعتماد على آليات الرقابة لن يحقق نظافتها بصورة مستدامة، ما لم يتوافر في المقابل نظام منتظم لجمع المخلفات والتخلص منها بعيدًا عن المجاري المائية.

وعن الحل المستدام، يقول الجندي: "إن الحل يبدأ من مجالس القرى والمدن، من خلال تخصيص أماكن محددة لجمع القمامة، مع توفير وسائل منتظمة لنقلها والتخلص منها بعيدًا عن المجاري المائية، إلى جانب ضرورة فرض غرامات على المخالفين".

وفيما يتعلق بسحب مياه الري بالمخالفة والتعدي على المجاري المائية بما قد يؤثر في وصولها إلى النهايات، تنفذ أجهزة الري في الفيوم حملات لإزالة مواسير وماكينات السحب المخالفة وتحرير المحاضر للمخالفين في نطاق بحر الجرجبة، إلا أن محمد، مزارع قرية الحجر، يقول إن بعض هذه التعديات "تعود مرة أخرى" بعد إزالتها.

ويذكر محمد أن أزمة المياه لديهم حُلّت بصورة مؤقتة قبل عامين، فيقول: "في أغسطس 2024، تجمع عدد من المزارعين وتوجهنا إلى وزير الري، وبعدها حصل تواصل مع المسؤولين، وبعد حوالي أسبوع المياه وصلت لنا، وفضلت من غير مشاكل لحد ما الأزمة رجعت في نص مايو 2026".

ويلفت إلى أن وصول المياه في ذلك الوقت حدث، بحسب روايته، رغم استمرار بعض العوامل التي يشكو منها المزارعون حاليًا، وهو ما يجعله يعتقد أن رفع التصرفات أو تحسين إدارة المياه يمكن أن يغير الوضع سريعًا.

فيما يصف مصطفى، مؤسس صفحة "كارثة بحر الجرجبة – الفيوم مركز إطسا"، التدخلات المؤقتة بأنها "مسكنات مؤقتة وليست حل جذري".

سحب مياه الري من بحر الجرجبة
سحب مياه الري من بحر الجرجبة

من جانبنا، تواصلت "أثر" مع وزارة الموارد المائية والري للاستفسار عن إجراءاتها في 2024 للتعامل مع أزمة بحر الجرجبة، وأسباب تجدد المشكلة وعودة التعديات ووسائل سحب المياه بالمخالفة رغم حملات الإزالة وتحرير المحاضر، إلى جانب سؤالها عن الحلول المستدامة التي يمكن أن تمنع تكرار الأزمة والشكاوى. إلا أن "أثر" لم يتلقَّ ردًا من الوزارة حتى وقت نشر التقرير.

ربما تصل المياه مجددًا إلى محمد ومزارعي بحر الجرجبة، لكن تجارب السنوات السابقة تترك السؤال قائمًا حول مدى استمرار أي تحسن، وما إذا كانت الأزمة ستعود من جديد. وكما عادت شكاوى أحمد في البحيرة، والقمامة إلى ترعة الهجارسة بعد أيام من تطهيرها. فالأزمة لا تبدو مرتبطة بعامل واحد؛ بين إدارة المناوبات، والتعديات، وحالة المجاري المائية، والمخلفات، وبطء الاستجابة للشكاوى، تتعدد نقاط تعطل رحلة المياه. وبينما تعلن الدولة مشروعات لتأهيل الشبكة وتطهيرها وتحسين توزيع المياه، يظل التحدي في ضمان تأثير هذه الإجراءات بصورة مستدامة على الأرض، ووصول المياه إلى آخر الحقل في الموعد الذي يحتاجها فيه المزارع.